«أصبح لدينا الآن printer لطباعة الأبحاث»، عبارة مطبوعة (على الأرجح بالـ«برنتر» الجديدة) على ورقة بيضاء معلقة على احد جدران كلية الإعلام في منطقة الاونيسكو. تمرّ عيناي عليها فيما أسابق الأدراج المرصوفة نزولاً، كي أصنع معجزة فريدة وأصل الى عملي في الوقت المحدد، فأستذكر معاناتنا حين كنا نطلب العلم في هذه الكلية، ونضطر للتأخر عن مواعيد المحاضرات، والسير الى كلية التربية لطباعة أبحاثنا، أحيانا تحت المطر، لنجد في كثير من الأوقات أن الحبر قد نفد، أو أن طابور المنتظرين يكاد يصل الى كليتنا. أشعر برغبة في تبادل التهاني مع الطلاب والطالبات الموزعين على هوامش الأدراج وفوق المقاعد المنتشرة على قلتها في الباحة الضيقة للكلية: «مبروك! صار عنا برنتر بكلية الإعلام!». لعل هذا ما شعر به «غوتنبرغ» عندما اخترع المطبعة سنة 1440 بعد الميلاد، بحسب الدرس الأول من مادة «تاريخ الصحافة». «صبر جميل أجر عظيم»، كما اعتادت جارتنا أن تقول، صبرنا لأربعة أعوام لكننا نلنا مرادنا في النهاية وبات بإمكاننا طباعة أبحاثنا داخل أسوار كليتنا. 
شعور باللامبالاة يعتريني، شعور غريب عني عادة عندما أكون في أمكنة توحي لي بالذكريات. أمرّ من أمام الغرفة الضيقة التي من المفترض أنها تخدم كـ«استديو» يتدرب فيه الطلاب والطالبات على تسجيل الصوت والمونتاج وغيرها من عمليات إعداد التقارير التلفزيونية والإذاعية. غرفة عادية بشبّاك مطلّ على حركة السير وأبواقها التي لا تنتهي، وبضعة كراسي مصفوفة الى جانب بعضها، وتلفزيون أسود كبير، وبعض المعدات. لعل هذه التجهيزات هي بذاتها التي ساهمت في مرحلة ما من حياتي الجامعية، بنفوري من العمل التلفزيوني إلى ما لا رجعة عنه. على أي حال، خير أن يكون لدينا هذه الغرفة التي تحاول بحسن نية أن تبدو كـ«استديو»، من أن نضطر الى السير الى مبنى آخر خارج الكلية للتدرب على عملية المونتاج، كما كنا نفعل سابقاً.
تحاصرني الوجوه الجديدة والنظرات المستغربة. لعله شعري القصير؟ أو لعله أيضا وجهي الجديد بالنسبة إليهم وإليهن، فقلما زرت الجامعة في السنة الأخيرة، أما هذه السنة، فلم تربطني بها سوى مادة وحيدة كنت في طريقي لتسجيلها ذلك اليوم: مادة «النشرة الإذاعية» التي ستفرض علي أن أتعامل مع تلك المعدات في ذلك «الاستديو».
أذكر حين تمت في العام 2007 «إعادة تأهيل» الطابق الأخير من الكلية بهبة من مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية. وقتها، حجّ الجميع وفي أنوفهم رائحة الطلاء الحديث، الى «الطابق الخامس» لمعاينة المكتبة الجديدة، وغرفة الكومبيوتر (بحواسيبها السبعة أو الثمانية حسب ما تعينني ذاكرتي)، والبلاط الجديد البراق، والجدران التي تلمع بياضا. أذكر أن مشهدا مضحكا اعترى ذهني فيما كنت أراقب العيون المضاءة بهجة ومفاجأة، تخيلتنا كالعرسان الفرحين بالشقة الجديدة فيما الوالدات ينثرن الأرز وزغاريدهن تصم آذاننا. كان «الطابق الخامس» وما زال، يشبه ولاية انفصالية لا تمتّ لمحيطها بصلة. (more…)